فخر الدين الرازي

54

تفسير الرازي

المسألة الرابعة : في قوله : * ( عند ربهم ) * لطائف : أحدها : قال بعض الفقهاء : لو قال : لا شيء لي على فلان ، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة ، ولو قال : لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين ، ولو قال : لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معاً ، إذا عرفت هذا فقوله : * ( عند ربهم ) * يفيد أنه وديعة والوديعة عين ، ولو قال : لفلان على فهو إقرار بالدين ، والعين أشرف من الدين فقوله : * ( عند ربهم ) * يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد ، فإن قيل : الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون ، قلنا : المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال ، فلا جرم قلنا : الوديعة هناك خير من المضمون . وثانيها : إذا وقعت الفتنة في البلدة ، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب ، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك ، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها ، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتاباً يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله : * ( جزاؤهم عند ربهم ) * حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة . وثالثها : أنه قال : * ( عند ربهم ) * وفيه بشارة عظيمة ، كأنه تعالى يقول : أنا الذي ربيتك أولاً حين كنت معدوماً صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة ، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقاً أعطيتك هذه الأشياء ، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئاً وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها ، كلا إن هذا مما لا يكون . المسألة الخامسة : قوله : * ( جزاؤهم عند ربهم جنات ) * فيه قولان : أحدهما : أنه قابل الجمع بالجمع ، وهو يقتضي مقابلة الفرد بالفرد ، كما لو قال لأمر أتيه أو عبديه : إن دخلتما هاتين الدارين فأنتما كذا فيحمل هذا على أن يدخل كل واحد منهما داراً على حدة ، وعن أبي يوسف لم يحنث حتى يدخلا الدارين ، وعلى هذا إن ملكتما هذين العبدين ، ودليل القول الأول : * ( جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ) * فعلى القول الأول بين أن الجزاء لكل مكلف جنة واحدة ، لكن أدنى تلك الجنات مثل الدنيا بما فيها عشر مرات كذا روى مرفوعاً ، ويدل عليه قوله تعالى : * ( وملكاً كبيراً ) * ويحتمل أن يراد لكل مكلف جنات ، كما روى عن أبي يوسف وعليه يدل القرآن ، لأنه قال : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ثم قال : * ( ومن دونهما جنتان ) * فذكر أربعاً للواحد ، والسبب فيه أنه بكى من خوف الله ، وذلك البكاء إنما نزل من أربعة أجفان اثنان دون الاثنين ، فاستحق جنتين دون الجنتين ، فحصلت له أربع جنات ، لسكبه البكاء من أربعة أجفان ، ثم إنه تعالى قدم الخوف في قوله : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * وأخر الخوف في هذه الآية لأنه ختم السورة بقوله : * ( ذلك لمن خشي ربه ) * وفيه إشارة إلى أنه لا بد من